عبد الله بن أحمد النسفي

300

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 192 إلى 193 ] رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) فنظر اللّه إليه فغفر له ) « 1 » وقال عليه السّلام : ( لا عبادة كالتفكر ) « 2 » وقيل : الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية ، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكر رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أي يقولون ذلك ، وهو في محلّ الحال ، أي يتفكرون قائلين ، والمعنى ما خلقته خلقا باطلا بغير حكمة بل خلقته لحكمة عظيمة وهو أن تجعلها مساكن للمكلفين وأدلة لهم على معرفتك ، وهذا إشارة إلى الخلق ، على أنّ المراد به المخلوق ، أو إلى السماوات والأرض لأنّها في معنى المخلوق ، كأنّه قيل ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا سُبْحانَكَ تنزيها لك عن الوصف بخلق الباطل ، وهو اعتراض فَقِنا عَذابَ النَّارِ الفاء دخلت لمعنى الجزاء تقديره إذا نزّهناك فقنا . 192 - رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أهنته أو أهلكته أو فضحته ، واحتج أهل الوعيد بالآية مع قوله : يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ « 3 » في أنّ من يدخل النار لا يكون مؤمنا ويخلد ، قلنا : قال جابر إخزاء المؤمن تأديبه وأنّ فوق ذلك لخزيا وَما لِلظَّالِمِينَ اللام إشارة إلى من يدخل النار والمراد الكفار مِنْ أَنْصارٍ من أعوان وشفعاء يشفعون لهم كما للمؤمنين . 193 - رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً تقول سمعت رجلا يقول كذا فتوقع الفعل على الرجل وتحذف المسموع ، لأنّك وصفته بما يسمع فأغناك عن ذكره ، ولولا الوصف لم يكن منه بدّ ، وأن يقال سمعت كلام فلان ، فالمنادي « 4 » هو الرسول عليه السّلام أو القرآن يُنادِي لِلْإِيمانِ لأجل الإيمان باللّه ، وفيه تفخيم لشأن المنادي إذ لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان أَنْ آمِنُوا بأن آمنوا أو أي آمنوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : فيه دليل بطلان الاستثناء في الإيمان رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا كبائرنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا صغائرنا وَتَوَفَّنا

--> ( 1 ) الثعلبي من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة . ( 2 ) ابن حبان في الضعفاء ، والبيهقي في الشعب بسنده عن علي رضي اللّه عنه وفي سنده كلام . ( 3 ) التحريم ، 66 / 8 . ( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) والمنادي .